لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
الخميس ١٢ مارس ٢٠٢٦
المحرر السياسي- لم يطلق حزب الله على معركته تسمية "العَصف المأكول"، المستندة إلى آية قرآنية، من فراغ. فالتسمية تحمل في طياتها أكثر من إشارة، وتوحي بأنّ المعركة التي يخوضها الحزب اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل صراع ذو بعد عقائدي واضح، في اتجاهين: ديني إسلامي عام، وشيعي-مرجعي تقليدي مرتبط بمفهوم ولاية الفقيه. وقد جاء البيان-الوثيقة الذي أعلن مضامينه رئيس كتلة الحزب النائب محمد رعد واضحاً في هذا الربط. يوحي هذا الاستناد الديني بأن الحزب رسم لنفسه ثلاث لاءات استراتيجية: لا انفصال عن الولاية. لا مفاوضات سلام مع إسرائيل. لا تنازل عن السلاح. هذه اللاءات ليست مجرد شعارات، بل ترتكز إلى قناعة راسخة لدى الحزب بأن معركته الطويلة مع إسرائيل، الممتدة منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، لن تنتهي عبر التفاوض، بل عبر الاستمرار في مشروع المقاومة، كخيار مستقل إلى حد كبير عن منطق "الشراكة الوطنية" في الداخل اللبناني. ويعزّز الحزب تمسّكه بهذه الخيارات اعتماداً على جملة عناصر، أبرزها: أولاً، متانة العلاقة السياسية والاستراتيجية مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. ثانياً، اعتقاده بأن البيئة الشيعية الحاضنة ستبقى سنداً أساسياً له، وأنها ستعود للالتفاف حوله بعد انتهاء الحرب رغم كلفتها الباهظة، خصوصاً إذا نجح في إعادة رسم صورة "العدو الداخلي" بما يعيد شدّ العصب الطائفي. إلى جانب ذلك، يستند حزب الله في تشدده إلى عاملين أساسيين: عامل أيديولوجي عقائدي، وعامل سياسي-إقليمي يتمثل في استمرار تماسك نظام الولاية في إيران رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية المؤلمة لقدراته العسكرية. وفي هذا السياق، نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر في الاستخبارات الأميركية أن القيادة الإيرانية لا تزال متماسكة إلى حد كبير، ولم تواجه خطر الانهيار. وهذا العامل بالغ الأهمية بالنسبة إلى حزب الله، الذي يستند في شرعيته الاستراتيجية إلى مرجعيته الإيرانية. لكن السؤال يبقى: ماذا بعد؟ تبدو الدولة اللبنانية الحلقة الأضعف في هذه المواجهة. فمعظم القيادات اللبنانية تدرك أن حزب الله مستعد فعلاً، لا قولاً، للذهاب إلى "حرب أهلية" إذا شعر بأن كيانه الأيديولوجي-الأمني-العسكري مهدد. وهكذا يجد لبنان نفسه، بقيادة قاطرة حزب الله، داخل حرب مفروضة عليه من الحزب ومن مرجعيته الإقليمية، من دون أن يمتلك القدرة على الخروج من هذه الدائرة المغلقة التي تتحكم بمفاتيحها طهران وتل أبيب معاً. من هنا تبدو الصورة قاتمة إلى حد بعيد. فالدولة عاجزة عن المبادرة، بعدما وجّه الرئيس نبيه بري إشارة واضحة برفض خيار التفاوض إلى الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام. وفي المقابل، لا تتطابق حسابات حزب الله مع حسابات شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يجدون أنفسهم في خضم حرب ذات طابع ديني-عقائدي لا يقتنعون بدوافعها. والأهم أن الحزب يبدو مصمماً على خوض هذه الحرب مهما بلغت الكلفة، بروح جهادية ذات طابع إسلامي واضح، كما يظهر في نص البيان-الوثيقة للنائب محمد رعد. يبقى السؤال: ماذا بعد؟ حين يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية الحرب، سيعتبر حزب الله أن الثورة الإسلامية انتصرت، وسيتصرف على أساس موازين قوى جديدة يعتقد أنها تميل لصالحه. أما الولايات المتحدة، فستراهن على عامل الوقت. فاستراتيجيتها تقوم على استنزاف المنظومة الإيرانية بعد إضعاف قدراتها العسكرية، ودفعها إلى مزيد من العزلة السياسية والاقتصادية، بما يقلص قدرتها على الصمود والتأثير. في المقابل، تدرك إسرائيل أن الضربات العسكرية التي استهدفت الحوثيين في اليمن أضعفتهم إلى حد كبير، وقد تعتمد، بدعم أميركي، سياسة الضربات المتواصلة والمؤلمة ضد حزب الله إلى أن تتراجع قدراته العسكرية تدريجياً. وهكذا يمكن القول إن الحرب الأميركية-الإسرائيلية العنيفة على إيران منحت النظام فرصة للنجاة، لكنها في الوقت نفسه أضعفته إقليمياً وخفّضت من قدرته على التأثير. وربما يكون ما ينتظر حزب الله بعد صمود النظام الإيراني أصعب بكثير مما كان عليه الوضع سابقاً. وفي جميع الأحوال، يبقى لبنان، دولةً وشعباً، الضحية الكبرى لهذه الحرب. حرب لم يعرف اللبنانيون لها مثيلاً، لا سيما في قدرتها على تعرية مفهوم "الشراكة الوطنية" الذي لا يبدو، من قريب أو بعيد، عاملاً مؤثراً في حسابات حزب الله الاستراتيجية.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.