في ظل الوساطة العُمانية بين الولايات المتحدة وإيران، تتأرجح المنطقة بين بارقة تفاهم واحتمال تصعيد.
الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦
المحرر السياسي- ليست المفاوضات الأميركية–الإيرانية حدثًا بعيدًا عن بيروت. في كل مرة يجلس فيها ممثلو الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة غير مباشرة، يكون لبنان حاضرًا في خلفية المشهد، ولو من دون دعوة رسمية. المعطيات الآتية من الوسيط العُماني تشير إلى "تقدم مهم" من دون اختراق حاسم. وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي تحدّث عن استئناف قريب للمفاوضات بعد مشاورات في العاصمتين، مع جولة تقنية مرتقبة في فيينا. لكن التفاؤل بقي تحت سقف متوسط الارتفاع ، فلم يُعلن عن تجاوز العقبات الكبرى، ولم يؤكد أيّ طرف اتفاقاً على النقاط الجوهرية، وفي مقدّمها رفع العقوبات مقابل تنازلات نووية. والأهم في ضبابية المشهد الأميركي الإيراني أنّ الرئيس دونالد ترامب لم يسحب من يده الخيار العسكري في ظلّ التعزيزات العسكرية في المنطقة، وهذا يعني أن الدبلوماسية- التفاوضية تسير بمحاذاة التصعيد. هنا تبدأ القصة اللبنانية. لا يشكل لبنان طرفًا مباشراً في الملف النووي، لكنه جزء من ظلاله الإقليمية لارتباط حزب الله بالمرجعية الدينية في الجمهورية الإسلامية، لذلك ينعكس أي تفاهم أميركي–إيراني عليه من ثلاث زوايا: -إذا نجحت الوساطة العُمانية في تثبيت مسار تفاوضي مستدام، تتراجع احتمالات المواجهة الإقليمية الواسعة. وهذا يخفّف الضغط على الساحة اللبنانية التي غالبًا ما تتحول صندوق بريد للرسائل المتبادلة. أمّا إذا فشلت المحادثات، فإن خطر الانزلاق إلى مواجهة قد يضع لبنان مجددًا في قلب العاصفة. -إصرار طهران على رفع العقوبات كمدخل لأي اتفاق يطرح سؤالًا مباشرًا، ماذا لو حصل تخفيف تدريجي للعقوبات؟ أي انفراج اقتصادي في إيران قد ينعكس تمويلاً أكبر لحلفائها، أو على الأقل يخفف من ضغوطها المالية، ما يعيد خلط الأوراق في الداخل اللبناني. في المقابل، استمرار العقوبات يعني استمرار سياسة "العضّ على الأصابع"، بما يحمله ذلك من تداعيات على توازنات القوى. -يعيش لبنان منذ سنوات على إيقاع التسويات المؤجلة، فإذا وُلد اتفاق بين واشنطن وطهران، فقد يُترجم مرونة في ملفات لبنانية عالقة منها حصرية السلاح ، أمّا إذا تعثرت المفاوضات، فسيبقى الداخل أسير الانتظار. وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المحادثات بأنها من "أهم" ما أجرته بلاده مع الأميركيين، مع الاعتراف بوجود اتفاق على بعض القضايا وخلاف على أخرى. تعني هذه اللغة الدبلوماسية أن الطرفين انتقلا من مرحلة اختبار النيات إلى مرحلة تفكيك التفاصيل. لكنّ الشيطان يكمن في هذه التفاصيل ومنها: حجم التنازلات النووية الممكنة وطبيعة رفع العقوبات التدريجي أو الشامل، وما هي الضمانات السياسية المتبادلة؟ قد تكون الجولة الحالية من المفاوضات الفرصة الأخيرة قبل أن يحسم البيت الأبيض خياره. وإذا صحّ هذا التقدير، فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة ليس فقط لمصير البرنامج النووي الإيراني، بل لمصير التوازنات في الشرق الأوسط ضمنه لبنان. بالنسبة للبنانيين، المسألة ليست نظرية بل تتصل مباشرةً بأمنهم اليومي، بقدرة دولتهم على التقاط أنفاسها، وبإمكان الخروج من مناخ التعليق الدائم بين الحرب والتسوية. لبنان، كعادته، يقف عند تقاطع الطرق. قد يفتح نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية نافذة استقرار نسبي تسمح بإعادة ترتيب البيت الداخلي، وقد يُعيدُ فشلها النار الى المنطقة المشتعلة أصلا، حيث يصبح لبنان مرة جديدة ساحة اختبار بأدوات جاهزة للمغامرة والمقامرة. يبقى السؤال اللبناني الأعمق: هل يبقى لبنان رهينة ما تقرره العواصم الكبرى، من واشنطن حتى طهران؟ أسئلة تدفع إلى التشاؤم طالما أنّ طرفًا داخليًا لا يزال يربط مصير وطن بقوى خارجية، في ما يشبه استتباعًا سياسيًا يقيّد القرار الوطني ويُفاقم هشاشته. وهناك منبعٌ آخر للتشاؤم طالما أنّ اسرائيل، بموازين القوى المُستحدثة، تعتبر لبنان وجنوبه حديقة خلفية لها من المفروض من وجهة نظرها أن تكون آمنة لها، مهما كلّف الثمن.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.