أوضح الرئيس نبيه بري أنّه لم يذكر أيّ سفير في تأجيل الانتخابات.
الإثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦
المحرر السياسي- لطالما عُرف رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنه رجل الظلّ المؤثّر في الضوء. حاضر في قلب الطاولات والمعادلات وخلط الأوراق، قليل الكلام، كثير الفعل في تدوير الزوايا لصالحه ولصالح طائفته بما يُعرف ب"أرانب الرئيس بري". بنى موقعه السياسي على إدارة التوازنات بهدوء وتقية، وعلى تدوير الزوايا في الغرف المغلقة أكثر مما في المنابر المفتوحة. لكن في الآونة الأخيرة، بدا أن الرجل الذي اعتاد الصمت المدروس، انتقل إلى كثافة في التصريحات، وإلى ردود علنية مباشرة على ما يُنسب إليه حتى أنّه دخل شخصيا في معارك سياسية جانبية كما حصل مع القوات اللبنانية في معركة قانون الانتخابات النيابية. ليس هذا التحول تفصيلاً في الاسلوب، بل مؤشر إلى تبدل في البيئة السياسية والإعلامية المحيطة به. بري والطائف: من ثغرات النص إلى هندسة التوازن من الصعب قراءة تحولات أداء نبيه بري من دون العودة إلى موقعه في النظام الذي تأسس بعد اتفاق الطائف. فبري ليس مجرد رئيس مجلس نواب طويل الإقامة في منصبه، بل أحد أبرز مهندسي آليات العمل داخل المنظومة الحاكمة بعد الحرب الأهلية. أتاح الطائف، بما تضمنه من إعادة توزيع للصلاحيات وتكريس معادلة التوازن الطائفي لصالح الطائفتين السُنيّة والشيعيّة على حساب الموقع الماروني في القصر الجمهوري،(أتاح) هامشاً واسعاً لتكريس أعراف سياسية موازية للنص منها حكم الترويكا الذي كسر المبدأ الدستوري في فصل السلطات. في مساحة الترويكا الرمادية ، برز دور بري مرة في تقاسم النفوذ ومرات في تعزيز موقع الطائفة. فمن موقعه ممثلاً للطائفة الشيعية في الرئاسات الثلاث، دخل إلى معادلة تقاسم السلطة من "الباب الشيعي الواسع"، لا بوصفه شريكاً عددياً فحسب، بل بوصفه ضابط إيقاع للتشريع ولآليات إنتاج السلطة ولاستغلال منافعها. ومع تعزز التحالف الاستراتيجي مع حزب الله منذ تسعينيات القرن الماضي، تشكل ثنائي شيعي استطاع، عبر أدوات الميثاقية والتوافق الطائفي، أن يمسك بمفاتيح أساسية في النظام. ومهما غالى هذا الثنائي في توصيف نفسه ب" الوطني" فإنّ هذا التوصيف استعاد من ذاكرة الحرب مصطلحاً معروف الانتماء والعداء أيضاً. لم يخرج الرئيس بري عن سكّة الطائف بقدر ما استثمر في ثغراته، فالميثاقية التي يفترض أن تحمي الشراكة الوطنية تحولت عملياً إلى أداة تعطيل أو فرض شروط، والتوافق الذي صُمم كآلية استقرار بات شرطاً إلزامياً لأي قرار. وفي هذا الاتجاه ، راكم الرئيس بري نفوذه عبر التحكم بإجراءات اللعبة السياسية-الطائفية نفسها، ونجح في تحطيم أبرز بنود اتفاق الطائف المعروفة بفصل السلطات. ولكن هذا الموقع الذي استحدثه الرئيس بري في "الترويكا" لا يُجيب عن التساؤل وفهم تحوله الأخير إلى كثافة التصريح. فزعيم هذه المنظومة الذي أتقن العمل بالأعراف غير المكتوبة، يجد نفسه اليوم في نظام تتآكل فيه الأعراف وتُخاض معاركه على الهواء مباشرة. تغيّر قواعد اللعبة الإعلامية في زمن المنصات الرقمية، لم يعد الصمت فضيلة سياسية كما كان في حقبة الصحافة الورقية أو البيانات المقتضبة. أي تصريح منسوب، أو حتى "تسريب"، يتحول في دقائق إلى مادة سجالية تتناقلها وسائل الإعلام وتضخمها المنصات الحزبية، فيصبح الصمت مكلفاً. من هذه الزاوية يمكن فهم البيان الذي صدر عن مكتبه الإعلامي لتوضيح ما نُسب إليه في شأن تأجيل الانتخابات، حيث جاء فيه: "توضيحاً لما نشر في الصحف اليوم حول تأجيل الانتخابات بتصريح للشرق الأوسط، إن الذي قلته بأن أجواء الخماسية مع تأجيل الانتخابات، ولم آتِ على ذكر أي سفير على الإطلاق لا من الخماسية ولا من غيرها لذا اقتضى التوضيح". هذا البيان يكشف التالي: -أن كلامه بات يُجزّأ ويُعاد تركيبه في سياقات سياسية متنازعة. -أن الحاجة إلى التصحيح الفوري أصبحت ضرورة دفاعية. - والأهم، أنّ الرئيس بري لم يعد يقيس مستوى الترددات التي يُحدثها كلامه في الدوائر المتعددة من سياسية وطائفية وديبلوماسية... حساسية مرحلة الاستحقاقات وفي سياق قياس التصاريح قبل اطلاقها، لا يمكن الإقناع أنّ الانتخابات في لبنان تقنية الطابع بل هي التي تؤسس مسبقا خريطة التكتلات في مجلس النواب. إذا، ملف الانتخابات النيابية سياديّ–سياسيّ-طائفيّ بامتياز، وأي تلميح إلى تأجيل هذه الانتخابات وربطه بموقف دولي، يُستخدم فوراً في بازار الاتهامات التي تطال الرئيس بري تارة بتصويره معطِّلاً وطوراً بتصويره متناغماً مع الخارج. لذلك جاء النفي محدداً أنّه لم يُذكر أي سفير، لا من "الخماسية" ولا من غيرها. فهل سمع الرئيس بري كلاماً هدّد دوره المعروف في دوائر "القناصل" في لبنان، خصوصا أنّ وسائل اعلام ربطت تصريحه المثير للجدل والصادم بالسفيرين الأميركي والسعودي. في لبنان، لا تمرّ عبارة بلا استثمار. فهل يستطيع سياسي تقليدي كالرئيس نبيه بري، مهما بلغت خبرته، أن يحافظ على أسلوب الغرف المغلقة في بيئة إعلامية لا تعترف إلا بالصوت الأعلى والأسرع؟ وهل ما زال ممكناً الفصل بين ما يُقال في الكواليس وما يُنقل إلى العلن في زمن تتسابق فيه المنابرعلى اجتزاء العبارات وبناء السرديات؟ هذا الانتقال من تصريح إلى توضيح لا يطرح سؤالاً شخصياً بقدر ما يطرح سؤالاً مؤسساتياً: ماذا يجري فعلياً في إدارة المرحلة من عين التينة؟ هل نحن أمام سوء تقدير إعلامي؟ أم أمام إدارة محسوبة لتدوير الزوايا قبل استحقاق حساس؟ وللتذكير، كان قد نُسب إليه في ما نُشر أنه أبلغ بأن "سفراء الخماسية يحبّذون تأجيل الانتخابات"، قبل أن يصدر توضيح ينفي ذكر أي سفير بالاسم ويؤكد تمسّكه بإجرائها. بين الروايتين، تتكثف معركة السرد لا على الانتخابات فقط، بل على من يملك تفسير الموقف أو " الأرنب" كما يُقال.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.