قرأ موقع ليبانون تابلويد خطاب الرئيس سعد الحريري في ذكرى اغتيال والده بين سطوره وظلالها المعبّرة.
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦
المحرر السياسي- حاول الرئيس سعد الحريري إثبات أنّه الأقوى في الساحة السنيّة وأنّه لم يمت سياسيا في مرحلة الاعتكاف، وكأنّه يستحضر ما كان الرئيس كميل شمعون يردّده: "في لبنان، لا يموت أحد فعلاً إلا حين تُقرأ ورقة نعيه". في ذكرى اغتيال رفيق الحريري، لا يرفع سعد الحريري السقف ولا يسمّي خصومه، بل يتركهم في صيغة الغائب. خطابٌ يعبّئ من دون مواجهة مباشرة، ويشدّ العصب من دون قطع الجسور. بعد أكثر من عقدين، لم تعد الذكرى نفسها كما كانت... فعل المجهول في كلمته يلفت في خطاب سعد الحريري في ذكرى اغتيال والده رفيق الحريري كثافة اللجوء إلى صيغ لا تسمي الفاعل، تُخفي تعابيره العامة الفاعل خلف ضمير أو توصيف مبهم: "نرى من يعتقدون أنهم سيلغونكم"، "الذين حوّلوا أنفسهم إلى خناجر للطعن"، "من يحاولون إقناعكم…". الفاعل هنا حاضر ومغيَّب في آنٍ معًا، المعتدي بلا اسم. تحافظ هذه التقنية الخطابية على " التعبئة" الشعبيّة عبر استحضار خصمٍ متخيَّل أو معلوم ضمناً، لكنها تتجنّب في الوقت نفسه تسمية مباشرة قد تفرض المواجهة السياسية أو تُحرج حسابات التسوية المجهولة المعالم. يوسّع هذا "المجهول السياسي" دائرة الاتهام بشكل فضفاض. فبدل أن يكون الخصم حزبًا أو جهة بعينها، يصبح "من يعتقدون"، "من يحاولون"، "الذين حوّلوا أنفسهم" صيغة مرنة تتسع لكل من يريد المتلقي من الجمهور، أن يضعه في هذا الموقع، مع إصرار الرئيس سعد الحريري على انّ هناك دائمًا من يتآمر، من يُقصي، من يطعن، وهذا تهرّب من نقد الذات بالتساوي مع نقد الآخرين من دون تسمية. على العكس، يُبنى "الأنا" بوضوح شديد: "محسوبكم سعد"، "ظهري جبل"، "أنتم ظهري وسندي". الفاعل هنا مُسمّى حين يتعلّق بالذات والجمهور، ومُبهم حين يتعلّق بالخصم. ربما تشكيكه باجراء الانتخابات في موعدها المعلن حين تساءل " قولوا لي متى الانتخابات، لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل!" هي اللمعة الأهم في خطابه ككل. الغائب الحاضر: حزب الله في خطاب سعد الحريري، لم يُذكر حزب الله بالاسم، لكن فكرة حصرية السلاح حضرت بوضوح ضمن مرجعية اتفاق الطائف. استبدل الاسم بالمبدأ الدستوري أنّ السلاح بيد الدولة وحدها، فتناغم مع مصطلحات يركّز عليها الرئيس نواف سلام، فالإحالة إلى الطائف تمنح الخطاب شرعية سُنيّة قبل أن تكون وطنية جامعة. ماذا عن القوات والسعودية؟ يوحي تغييب سعد الحريري من خطابه مفردات "السيادة" و"14 آذار" والخروج من سردية ثورة الأرز بأنّه ينسف معادلة الاصطفاف الحادّ التي طبعت مرحلة ما بعد 2005. هل في ذلك رسالة سلبية إلى القوات اللبنانية؟ الاحتمال قائم. أما عدم ذكر المملكة العربية السعودية بالاسم، والاكتفاء بالتلميح، فيحمل دلالات أعمق. في السابق، كان الحريري يتحدث عن السعودية كمرجعية واضحة ورافعة سياسية ومالية. اليوم يتحفّظ، فيشير اليها من دون تسمية في ظل ما يُقال عن فتور سعودي ونقل البندقية الى الكتف الاماراتي. بين الحذف والتلميح، يحاول سعد الحريري التكيّف مع مرحلة إقليمية ومحلية مختلفة لكنّ الملفت أنّ السعودية هي الأبرز في هندسة الإقليم وضمنه لبنان، فعدم تسمية المملكة العربية السعودية صراحةً، قد يُقرأ كإقرار ضمني بأن الغطاء الإقليمي لم يعد كما كان، وأن العلاقة تمرّ في مرحلة برودة أو إعادة تقييم. فهل ينجح الحريري في استعادة موقع قيادي من بوابة خليجية أخرى، أو حتى بالعودة الى الحضن السعودي بلمسة جديدة، مع أنّه تجنّب في خطابه "الغامض الفاعل" الخسائر الإضافية أو الدخول المُبكر في المعارك الصغرى والكبرى... هل في اللجوء الى " الفعل المجهول" ضياعٌ وتضييع أم هو فنٌ من فنون المناورة؟... لكنّ السؤال الأبرز المحيّر لماذا سقطت "القضية الفلسطينية" في عزّ غليانها الغزاوي، من خطاب سعد الحريري المفصلي ؟
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.