تجاوز بيان دار الفتوى بعد لقاء المفتي بالسفير السعودي المجاملة الدبلوماسية، ليحمل رسائل سياسية واضحة حول سيادة الدولة و حصرية السلاح.
الثلاثاء ٢٠ يناير ٢٠٢٦
المحرر السياسي- حمل البيان الذي صدر أمس عن دار الفتوى بعد لقاء مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان والسفير السعودي وليد بخاري دلائل سياسية واستراتيجية مهمة في السياق اللبناني والإقليمي. أعاد البيان التأكيد على حرص السعودية على أمن لبنان واستقراره في إطار الدولة ومؤسساتها. أعطى البيان إشارة واضحة بشأن انغماس الديبلوماسية السعودية في الوضع اللبناني من بوابة دار الفتوى لاحتضان القضايا الوطنية والإسلامية، وهذا يعكس محاولة الرياض إعادة تفعيل دورها الدبلوماسي والسياسي في لبنان بعد فترة تراجع نسبي . وجاء لقاء مفتي الجمهورية والسفير السعودي بعدما رفع الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم سقف معارضته طروحات رئيسي الجمهورية والحكومة بشأن حصرية السلاح، فأكد لقاء دار الفتوى على أهمية دعم الجيش اللبناني ودوره في حصر السلاح وانتشاره في الجنوب كمدخل لتأكيد سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وحسم البيان، من موقع قيادي إسلامي، أن خلاص لبنان ونهوضه مرتبطان بحصر السلاح بيد الدولة، واستكمال الإصلاحات، ودعم العهد والحكومة، وتنفيذ البيان الوزاري، واحترام الدستور واتفاق الطائف. عكس اللقاء توجهًا واضحًا من دار الفتوى والسفير السعودي نحو تعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وضرورة إنهاء التمدد المسلح خارج نفوذ الدولة، وهو موقف له صدى سياسي قوي داخليا وخارجيا. صدر البيان في لحظة إقليمية تشهد تصعيدًا بين الولايات المتحدة الاميركية وايران في صراع مفتوح، ما يجعل لبنان في موقع حساس في سياق المصلحة الايرانية في إبقاء سلاح حزب الله كضرورة. يؤشر التقاطع السعودي مع المرجعية السُنيّة الى وضع لبنان على سكة الأمان تجنباً لتصدعات عميقة أحدثها الخطاب الأخير للشيخ نعيم قاسم الذي أشار مع قيادات أخرى من حزب الله الى المخاطر الأمنية على الساحة اللبنانية ، وهو ما رفضه بيان دار الفتوى تحت مظلة سعودية تجمع في ظلها توازنات دقيقة بعيدة عن محاور الصراع الإقليمي، بعدما لعبت السعودية دورا بارزا في حماية الموقع الإيراني في المنطقة، وحتى إشعار آخر.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.