يقف لبنان عند مفترق خطير، تتنازعه قرارات متناقضة بين سلطةٍ تريد التهدئة ومقاومةٍ تتهيّأ للاحتمالات كلها، فيما المنطقة الرمادية تضيق يوماً بعد يوم.
السبت ٠١ نوفمبر ٢٠٢٥
المحرر السياسي- يقف لبنان الرسمي والمقاومة الإسلامية فيه في منطقة رمادية، أي وسطية، والسؤال: إلى متى يمكنه المكوث في هذا الموقع المعلّق بين الحرب والسلام؟ ففي أربعٍ وعشرين ساعة، تأرجح موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بين أمرٍ واضحٍ لقائد الجيش العماد رودولف هيكل بالتصدي لأي توغّل إسرائيلي، وبين تطمينٍ دبلوماسيّ للخارجية الألمانية بأنّ لبنان ليس من "دعاة الحروب" مؤكدا خيار التفاوض... هذا التناقض لا يعكس تردّدًا شخصيًا بقدر ما يجسّد المأزق الوطني العام: كيف يمكن للبنان أن يحافظ على سيادته من دون أن يتحول إلى ساحة صراع بالوكالة؟ أما حزب الله، فقد وافق شكليًا على اتفاق وقف الأعمال العدائية بكامل بنوده، لكنه في الوقت نفسه يرفض تسليم سلاحه أو وضعه تحت سلطة الدولة، في تناقضٍ جوهريّ مع روح الاتفاق ومضمونه. هذا الرفض ليس موقفًا عابرًا، بل خيار استراتيجيّ بغطاء إيرانيّ واضح، يُبقي لبنان في دائرة النفوذ الإيراني المباشر، حتى ولو كلّف الأمر انزلاقًا إلى مواجهة داخلية تهدّد هشاشة التوازن الوطني. في هذه المنطقة الرمادية، تتقاطع الحسابات الدولية والإقليمية مع الهواجس اللبنانية الداخلية. فالمجتمع الدولي يريد استقرارًا يضمن أمن إسرائيل ويمنع تفجّر جبهة الجنوب، فيما تسعى طهران إلى الحفاظ على ورقتها اللبنانية كورقة ضغط في مفاوضاتها المعقّدة مع الغرب. وبين هذا وذاك، يجد لبنان نفسه مجدداً في موقع الرهينة، لا الفاعل، ينتظر إشارة من الخارج لتحديد اتجاه الريح. لكن الخطر الحقيقي يكمن في الاعتياد على الرمادية: أن تتحول الوسطية إلى سياسة دائمة، لا إلى مرحلة انتقالية. فالدول لا تُبنى على الغموض ولا على المعادلات المزدوجة. إمّا أن يقرّر لبنان أنّه دولة ذات قرار موحّد وجيش واحد، وإمّا أن يستمر في الدور الذي رُسم له منذ عقود: ساحةً تتناوب عليها الرسائل الإقليمية. وفق التقديرات الديبلوماسية الغربية، لا يبدو أن المنطقة الرمادية التي يقف فيها لبنان قابلة للاستمرار طويلاً تزامنا مع انتشار الأخبار غير الرسمية على أنّ طهران دفعت في الأسابيع الأخيرة باتجاه تعزيز قدرات "حزب الله" الدفاعية داخل الجنوب اللبناني، في موازاة حوار ايرانيّ محدود مع وسطاء قطريين وفرنسيين حول ترتيبات ما بعد اتفاق وقف الاعمال العدائية ما يعني أن إيران تريد إبقاء الورقة اللبنانية جاهزة للاستخدام، لا للتسوية الجذرية. أما في الداخل، فإنّ المؤسسة العسكرية تعيش وضعاً دقيقاً: فهي تلتزم قرارات السلطة السياسية المزدوجة الاتجاه، لكنها في الوقت نفسه تتعرّض لضغوط أميركية مباشرة تطالبها بمنع أي نشاط مسلّح خارج إطار الدولة. وتربط واشنطن أي زيادة في المساعدات العسكرية بمدى التزام الجيش بمراقبة حركة السلاح غير الشرعي جنوب الليطاني وخارجه خصوصا أنّ منطقة البقاع بالمنظور الإسرائيلي تعادل بأهميتها الجنوب على ضفتي نهر الليطاني. هذا الواقع يضع لبنان أمام مفترق حاسم: فإما أن يترجم التزامه بالشرعية الدولية بخطوات واضحة – بدءاً بتوحيد قرار السلم والحرب – وإما أن يواصل المراوحة في المنطقة الرمادية التي لم تعد تحميه من الانفجار، بل تؤجله فحسب.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.