رحّب العالم باتفاق غزة كمدخل الى تعزيز التغييرات العميقة في القطاع الفلسطيني ككل وفي لبنان وسوريا امتدادا الى العراق.
الخميس ١٦ يناير ٢٠٢٥
المحرر السياسي- لولا عدد الضحايا القياسيّ والدمار شبه الكامل في غزة لكان اتفاق إسرائيل حماس أفضل بكثير في المكتسبات الفلسطينية من اتفاق إسرائيل لبنان الذي أفقد حزب الله الكثير من النقاط. أما بنيامين نتنياهو فلم يكن حجمه أكبر بكثير من حجم قيادات شرق أوسطية حين توافق الرئيسان جو بايدن ودونالد ترامب على حسم قرار إتمام صفقة غزة، فاستسلمت حكومة الحرب الاسرائيلية رئيسا وأعضاء. بالتوصل الى اتفاق غزة، والانصياع الاسرائيلي، وانهيار جبهة وحدة الساحات بانهيار نظام الأسد وانسحاب إيران المذل من الأراضي السوريّة، وفشل حزب الله في ترسيخ حضوره الإقليميّ والمحليّ في المعادلات، ارتسمت خريطة سياسية جديدة في الإقليم ستقود حتماً الى مرحلة من التطبيع الخليجي العربي مع تل أبيب برعاية أميركية ودعم غربيّ. لا يُستهان بهذا التحول العميق في المنطقة وانعكاساته على لبنان، وما يلفت أنّ حزب الله مدعوما من الرئيس نبيه بري لم يقدر على النزول عن السلّم بحرفية بل أُنزل بانقلاب أبيض، انطلق هذا الانقلاب من شبكة العلاقات السياسية التي نسجها الحزب طوال سنوات ، فتفرّق محور الممانعة اللبناني في أسبوع واحد ما برهن أمورا عدة منها، أنّ غياب قيادة السيد حسن نصرالله بدأت تظهر عواقبها لجهة الضياع في تحديد الخيارات وفرضها على الساحة اللبنانية بالترهيب والترغيب، وأنّ الرئيس نبيه منذ انتخابه في رئاسة المجلس بأرقام هزيلة فقَدَ وهجه نتيجة أخطاء تراكمت لمسكه معظم الملفات اللبنانية الشائكة من ترسيم الحدود البحرية المخيّبة للآمال مروراً بوزارة المالية بإدارتها الركيكة وصولا الى اتفاق وقف اطلاق النار الموصوف بالاستسلاميّ. يحصد حزب الله نتائج حرب المساندة التي أطلقها وحيدا من دون أي اعتبار واحترام للمعارضة التي لم تنحصر كلاسيكيا في جهة معيّنة بل شملت من هم من أركان تحالفاته. وما يلفت في التصاريح الأميركية التي علقت على إنجاز اتفاق غزة والصادرة عن الرئيس جو بايدن ووزير خارجيته انتوني بلينكن أنّها دخلت في تفاصيل السياسة اللبنانية، من التلميح الى أهمية وصول أول رئيس حكومة في لبنان غير محسوب على الحزب، بضغط أميركي، الى الجزم بأنّ حزب الله كما حماس في حالة ضعف. يواجه ثنائي الرئيس بري حزب الله مرحلة جديدة معقدة التداخلات، الأهم فيها، أنّ البيئة الحاضنة في نكبة ونكسة، وأنّ الثنائي خرج من دائرة الالتفاف اللبناني، من رأس الهرم الى القاعدة، حول الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، بشكل يملك هذا الثنائي إمكانية التعطيل الجزئي من دون أن يمتلك الخيارات البناءة البديلة. ولعلّ سياسة الوقوف في الوسط مفيدة في الأمد القصير فستكون مضرة في المرحلة المقبلة لجهة إعادة تكوين السلطة بخطوات متتالية تبدأ بتشكيل الحكومة وتنتهي بانتخابات نيابية. وإذا كان الرئيس عون بدأ خطوات تأسيس عهده بتعيينات إدارية في القصر الجمهوري بشرّت بالخير في مستوى اختياره، فإنّ مرحلة من تغيير الوجوه انطلقت وإذا لم تشمل الثنائي وكل الأحزاب والتيارات بما فيها حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي فإن التسونامي الناعم الذي انطلق من خطاب القسم سيجرف الجميع بموجاته الآخذة في الارتفاع . تحتاج المرحلة الجديدة الى تغييرات في النهج والخطاب وأدواته أيضا.
يجد لبنان نفسه تحت سقف استراتيجية "التدمير المرحلي" مع تقليص المناطق الآمنة إلى فرض الشروط بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.