دعت الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة في بيان مشترك إلى "خفض التصعيد" في سوريا.
الإثنين ٠٢ ديسمبر ٢٠٢٤
المحرر السياسي- لم يصمد الرئيس السوري بشار الأسد طويلا في مربّع النأي بالنفس الذي لجأ اليه في حربي غزة ولبنان. دفع ثمن استرخائه في هذا المربّع فانسحب جيشه أمام اندفاع قوات " هيئة تحرير الشام" المدعومة من تركيا. وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي الذي سارع في السفر الى دمشق بعد اهتزاز النظام السوري، وصف الوضع بالصعب أملا في نجاح النظام بالتغلّب على المعارضة كما فعل سابقا. مارست روسيا الواقعية في الميدان فلجأت الى النقد الذاتيّ، أقالت سيرجي كيسيل الجنرال المسؤول عن قواتها في سوريا فحملته مسؤولية اجتياح مقاتلين من المعارضة مدينة حلب في أكبر تحد للرئيس بشار الأسد منذ سنوات. وذكرت تقارير غير مؤكدة أنّ الجنرال ألكسندر تشيكو سيحل محل كيسي في اطار التغييرات غير المعلنة في صفوف الجيش منذ اندلاع حرب أوكرانيا. تخطى الرئيس بشار الأسد الثغرة الأمنية الكبيرة في حلب باعلانه أنّ سلاح " القوة" يحلّ المشكلة، وهذا أول تقدم لقوات المعارضة السورية منذ آذار 2020 عندما وافقت روسيا وتركيا على وقف إطلاق النار الذي أدى إلى توقف التحركات العسكرية في شمال غرب سوريا. فما الذي حصل في الاجتياح الجديد؟ تتقاطع التحاليل عند أنّ تركيا اعتمدت تكتيك " الغدر" في لحظة من التحولات الكبيرة التي حصلت في الميدان اللبناني على مستويين: إصابة علاقة حزب الله بالنظام السوري بجروح نتيجة سياسة النأي بالنفس التي اعتمدها الرئيس الأسد، وتعرض حزب الله لضربات قاسية جداً أجبرته على إعادة ترميم نفسه في عملية ستكون طويلة زمنيا إذا تمكّن من استعادة قوته العسكرية والأمنية المهزوزة. تتصرّف تركيا مع الشمال السوري كأنّه جزء من "أمنها الاستراتيجي" بخلفيات تاريخية يعتبر فيها الأتراك أنّ حلب السورية والموصل العراقية ولايتان عثمانيتان، إضافة الى العداء مع الكرد تحديدا قسد، لذلك فإنّ هذا الشمال حيويّ لتركيا أمنيا وسياسيا وتاريخيا. تبدو ايران في هذه المعركة الجديدة ضعيفة بعدما خسرت كثيرا في غزة ولبنان ولا مجال لاستعادة نفوذها في سوريا الا بالرضى التركي والروسي امتدادا الى الموافقة الإسرائيلية. يجد الرئيس بشار الأسد نفسه مرتميا في الحضنين الروسي والإيراني وهذا سيُفقده ما ربحه في الفترة الأخيرة من انفتاح عربيّ وخليجيّ. انكشفت نقاط ضعف نظام الأسد في سقوط حلب عسكرياً وسياسياً، كما سقطت سُمعة ايران مؤخرا، وما سيُعيد حلب اليه إجماع الدول الغربية والعربية على أنّ المجموعات التي احتلت العاصمة الاقتصادية لسورية "إرهابية" ومن الواجب تحجيمها مجددا، وسيتم هذا التحجيم بتقاطع في المصالح الروسية التركية.... سينتظر الرئيس الأسد على رصيف هذا الطريق، يدفع ثمن موازين القوى الجديدة في الإقليم بفعل الحروب الإسرائيلية في غزة ولبنان واليمن وفي داخل ايران بتغطية أميركية.... وتتجه الأنظار الى الرئيس فلاديمير بوتين الذي لم ولن يقطع خطوط التواصل مع بنيامين نتنياهو ولا مع دونالد ترامب ورجب طيب اردوغان، في هذه الدائرة من التواصل يتحدّد مستقبل الإقليم في السنوات المقبلة وحجم ايران في هلالها المُصاب بأكثر من فجوة وبأكثر من خطأ استراتيجي. بوتين الذي ينتظر ترامب للانتقال الى البيت الأبيض سيقرّر معه مستقبل أوكرانيا زائد سوريا.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.