تمرّ ذكرى الاستقلال كذكرى ماضية في الوطن المنكوب.
الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٤
المحرر السياسي-في يوم استذكار الاستقلال تزامنا مع عيد ميلاد فيروز لا بدّ من تسجيل ملاحظة معبّرة أنّ عيد "سيدة" الحناجر المدوّية في الصدى الوطنيّ ورجعه الجميل طغى كرمز يجمع اللبنايين بعدما تساقطت الرموز الأخرى في لحظة من تفكك الدولة بثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة". في وقت ساد التشاؤم من نتائج جولة الموفد الأميركي أموس هوكستين بين بيروت وتل أبيب تراكمت الفوضى الداخلية في التفاوض، بين مؤيد للمفاوض الرئيس نبيه بري ومعارض له، يشعر المسيحيون والمسلمون أنّهم خارج طاولة التفاوض على مستقبل ما تبقى من لبنان. تتزامن الفوضى مع تناقضات في تحديد مهمة "المقاومة الإسلامية في لبنان" ومصير سلاحها وجدواه بعد الاطلالة الأخيرة للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم التي حملت التباسات في خطاب الحزب لجهة دور المقاومة وموقعها في الكيان بما يتناقض مع الخطاب السابق للحزب الذي أوحى بأنّه يملك قوة الردع، في الهجوم والدفاع، فإذا به يتراجع مع الشيخ قاسم الى صدّ جيش الاحتلال في نقاط تغلغله فقط. تأتي ذكرى الاستقلال المفقود في لحظة من الدمار كخطة إسرائيلية ترتكز على التوحش في التدمير والاغتيال والتهجير. تكمن الخطورة القصوى ،في لحظة النكبة غير المسبوقة للبيئة الحاضنة لبنانيا وفي المدى الشيعيّ، أنّ بنيامين نتنياهو استغلّ خطأ أو خطيئة فتح جبهة الجنوب للمساندة ثم التردّد في إقفالها بعدما أثبت الميدان الغزاويّ عدم فعاليتها، أنّه تحوّل الى مؤثّر في الداخل اللبنانيّ بطرحه سلاح "المقاومة الإسلامية في لبنان" ومصيره ، فربطه بأي تسوية لوقف اطلاق النار، وبالتالي أصبح مقررا في ما عُرف سابقاً بتحديد " استراتيجية دفاعيّة" أسقطها حزب الله بنعيه بيان بعبدا الشهير وبتقاعس المنظومة الحاكمة عن دورها في حماية الدولة. لم تعد المفاوضات الجارية بين إسرائيل وحزب الله بوساطة مزدوجة من الرئيس بري وهوكستين ، تنحصر في وقف اطلاق النار أو هدنة الستين يوماً المطروحة في الورقة الأميركية، تعدّت المفاوضات موضوع الميدان الملتهب الى تحديد هوية لبنان ونقله من حالة "المقاومة" في سياق محور إقليمي بقاطرة إيرانية، الى حالة جديدة غامضة الملامح، يضغط بنيامين نتياهو لتظهير صورتها بحسب المصلحة الإسرائيلية في الحرب التي تشنها مروحة واسعة من الأطياف الإسرائيلية تحت شعار " أبدية إسرائيل" بعد عملية طوفان الأقصى. يربط نتنياهو حربه التدميرية على لبنان بمستقبل إسرائيل "الأبدية"، لا يفصله عن مستقبل محيطه اللبنانيّ ودوره وطبيعته ، لذلك بات كيان لبنان بقبضة حكومة المتطرفين الإسرائيليين الذين أخرجوا من الجوارير مشاريع سابقة في جعل غزة جزءا من إسرائيل الكبرى، واسترجاع المنطقة الممتدة من الجليل الى نهر الأولي الى "أرض الميعاد" كجزء مفقود من الكيان الاسرائيليّ الموسّع الذي شاء الصراع البريطاني الفرنسي بعد اتفاق سايكس بيكو أن يكون جزءا من الكيان اللبناني بإرادة فرنسية أجبرت البطريرك الياس الحويك على التراجع عن تردده في ضمّ جبل عامل الى لبنان والاندفاع في ضمّه الى الحدود اللبنانية التاريخية. ما يُخيفُ في هذه المرحلة من التفاوض أنّ الهدف الإسرائيلي في الحرب على لبنان تبدّل من حماية مستوطنات الشمال الى التداول في مشاريع توسعية لما يُسمى "إسرائيل الكبرى". ولعلّ الحماية الأساسية للكيان اللبناني بحدوده المعترف بها دولياً تتجسّد في الصك الذي حصل عليه لبنان أمميا في مرحلة بناء الكيانات الوطنية في الشرق الأوسط ، وخارج اطار الشرعية الدولية التي يكتسبها لبنان لا حماية أخرى له بعدما أثبت الميدان أنّ موازين القوى العسكرية لا تصبّ في صالحه، وبعدما ضاعت هوية "المقاومة" ودورها في خطاب حزب الله الذي تميّز بعد فتح جبهة الجنوب بالتناقضات المُخيفة في سياق ثلاثية ملتبسة من دور هذا السلاح، الى موقع الحزب في دولة- الطائف وصولاً الى موقع الطائفة الشيعية كمكوّن أساسيّ وتاريخيّ في النسيج الوطني. الأخطر أنّ لبنان عاد الى زمن ظنّ اللبنانيون والشيعة أنّه ولّى وإذا بالحديث الاسرائيليّ عن التغلغل أو الاجتياح أو رسم شريط أمنى على الحدود يبرز في رسم خريطة جديدة لدولة لبنانية مفكّكة تنقاد الى تفاوض بخطوات عرجاء. فهل يتمكّن المفاوض الوحيد ، أي نبيه بري، أن يحمي لبنان والبيئة الشيعية وهو يغمز برجله ماشياً في حقل يلغّمه نتنياهو بأطماع تفوق التصورات؟ العودة الى الدولة الكاملة، الى دولة الاستقلال بميثاقها الوطني ومظلتها الأممية هو الحلّ خصوصاً أنّ أبرز أغنية يرددها حاليا ناشطون لبنانيون وشيعة، أغنية فيروز " سنعود يوما الى حينا" كتعبير عن المرتجى اللبناني والفلسطيني في " وحدة ساحات" البؤس.
يجد لبنان نفسه تحت سقف استراتيجية "التدمير المرحلي" مع تقليص المناطق الآمنة إلى فرض الشروط بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.