تواصل اسرائيل اعتداءاتها على القرى الحدودية متبعة منهجية الهدم خطوة خطوة.
الجمعة ٠٨ مارس ٢٠٢٤
المحرر السياسي- يلف الغموض جبهة الجنوب بشأن مسارها في اتجاه الحرب الواسعة أو الاستمرار في احترام قواعد الاشتباك. وإذا كان حزب الله يمتلك ورقة قوية وهي إبعاد مئة ألف مستوطن عن الحدود ، فإنّ اسرائيل تمتلك قوة تدميرية قدمت أنموذجا منها في غزة. في الورقة التي يمتلكها حزب الله بعد إخفاقات عسكرية، تظهر فيها ثغرات بوضع إسرائيل شرطا للحرب أو التفاوض بإعادة المُبعدين عن المستوطنات الشمالية الى ديارهم بسلام مستدام، في ظل موازين قوى لصالحه بعدما أضحى رهان حزب الله على عدم إقدام إسرائيل على خوض حرب واسعة في لبنان، حسابا افتراضيا،أو تقييما ميدانيا ملتبسا، تماماً كما حصل مع تقييمات حركة حماس في شنّ عملية " طوفان الأقصى" التي صدمت إسرائيل لكنّها دمرّت غزة في نكبة من المتوقع استمرارها، مع ظهور إشارة أميركية في ترتيب هذه " النكبة" بإنشاء مرفأ مساعدات في القطاع. يركّز حزب الله على أنّه لم يستعمل بعد كامل أسلحته في الجبهة المفتوحة في الجنوب،ويهدد إسرائيل بفخ الدخول في الحرب، لكنّ المعطيات الميدانية تشير الى الآتي: -يبدو قرار الحرب الواسعة في يد إسرائيل التي تكتفي حتى الآن بالتهديد بإرجاع لبنان الى " العصر الحجري" في حين أنّ " معارك قواعد الاشتباك" تعطيها فرصة التدمير الممنهج للقرى الحدودية اللبنانية، على مراحل، أيّ من دون إحداث صدمة في الرأي العام العالمي كما حدث في غزة. -فرضت إسرائيل على لبنان معركة استنزاف بجعله يقف في الخط الفاصل بين الحرب والمعركة فيدفع حاليا ثمنا باهظا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. -تبقى المعركة بين إسرائيل وحزب الله في لحظة من عدم التكافؤ طالما بقيت إسرائيل في الجو ولم تنزل الى البر،وهذا يساعدها على تنفيذ مخططها في إفراغ القرى الحدودية من سكانها ومن المقاتلين الذين فقدوا حرية الحركة ولو جزئيا. -يتصرف العسكر الإسرائيلي الذي يسيطر على القرار في تل أبيب برغم أن بنيامين نتنياهو في الواجهة، براحة أكبر في التعامل مع الوقت، فهو ينتظر توسعا أكبر في غزة، تحديدا في رفح، لينتقل بعد ذلك الى الحدود مع لبنان، بخطط توضع على نار هادئة. - يتحرك الجيش الإسرائيلي بتغطية سياسية وشعبية على الحدود في حين أنّ حزب الله يتحرك معزولا الا من الغطاء الذي أمنّه له رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير خارجيته عبدالله بوحبيب المحسوب على "الخط العوني". -من مواقع القوة التي يملكها حزب الله أنّ المعارضة الداخلية لفتحه الحرب بقرار منه فقط، لم تتبلور في جبهة، أو في تحركات ضاغطة، وهذا يترك للحزب هامشا واسعا من الاندفاع في وقت لا تزال بيئته الحاضنة متماسكة حوله ولو على تململ. ولا يُستهان بالمظلة السياسية التي تحمي حزب الله، كالمردة، والحزب التقدمي الاشتراكي الوسطي، وشخصيات سنية عدة في مقدمها الرئيس نجيب ميقاتي. - لا يزال حزب الله ضرورة دولية لفرض التسويات، الحدودية،والسياسية في ما يتعلق بانتخاب رئيس للجمهورية، وبرغم التباين مع حليفه التيار الوطني الحر في "الملف الرئاسي" و"وحدة الساحات" الا أنّ الخطوط مفتوحة بين الجانبين للتوصل الى ترميم التباعد بينهما،خصوصا أنّ التيار لم يخرج عن خط "الممانعة" بدليل أنّ بياناته السياسية لم تخالف موجة "الممانعين" في تبجيل المقاومة وتظهير صورة إسرائيل المهزومة في غزة بحجة أنّها لم تحقق أهدافها بعد. -يمتلك حزب الله قدرة على "إزعاج" إسرائيل بكثافة القصف التي من الممكن استخدامها في الحرب المفتوحة ، فهو يمتلك صواريخ دقيقة أكثر من حماس التي فقدت مع الوقت قوتها النارية في استهداف وسط إسرائيل، لكنّ هذه المعادلة العسكرية تبقى " وهمية" طالما لم تتضح الخطط العسكرية الإسرائيلية التي يبدو حتى الآن أنّها تستخدم خطة التدمير خطوة خطوة، وفي مساحة محدودة. في الخلاصة، يمتلك الجيش الإسرائيلي قوة تدميرية استخدمها في غزة إضافة الى التقنيات التكنولوجية الحديثة التي فاجأت الجميع. ويمتلك حزب الله كما حماس، بيئة حاضنة، ورأيا عاما لا يُحاسب، أو أقله لا ينتظر ما ينتظره بنيامين نتنياهو حين تنتهي الحرب.
يجد لبنان نفسه تحت سقف استراتيجية "التدمير المرحلي" مع تقليص المناطق الآمنة إلى فرض الشروط بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.