يدخل لبنان في نفق مظلم يتحدد حجمه بعد اتضاح الاستراتيجية الايرانية في مواجهة الهجوم الاميركي الغربي الاسرائيلي في الاقليم.
الأحد ١٥ أكتوبر ٢٠٢٣
المحرر السياسي- من يراقب الموقف الأميركي من عملية "طوفان الأقصى" وتداعياته الدراماتيكية يلاحظ بوضوح نقطة تحول في السياسة الأميركية. في هجمات ١١ أيلول انكشفت مخاطر الحركات التكفيرية أمام أعين النخبة الأميركية، وهذا ما عاد ليترسّخ في "طوفان الأقصى". ستجاهد النخب الإسلامية كثيرا لإقناع النخبة الأميركية أنّ القضية الفلسطينية عادلة ويجب دعمها بتحقيق مطالبها. على هذا الأساس ، اصطف العالم الغربي خلف الإدارة الأميركية في مواجهة " ١١ أيلول الإسرائيلي" حتى أنّ دولا ديمقراطية كبريطانيا وفرنسا وأستراليا لا تشجّع حتى التظاهر في شوارعها تأييدا لحق الشعب الفلسطيني في الحياة الحرة والكريمة. وفي موازاة هذا المستجد في ترك القضية الفلسطينية في غلاف ديني متطرف، تعجز النخبة العربية والإسلامية التعاطي مع هذا الواقع الأميركي – الغربي من زاوية مختلفة أو مغايرة للخطاب الخشبي الذي لم يصل مع الذروة العربية والناصرية الى خاتمة الإقناع. حاول ياسر عرفات عقلنة خطابه، ونجح في أوسلو، فنال جائزة نوبل للسلام، لكنّ إسرائيل طعنته، وهذا ليس بغريب، ثم جاء تنامي الحركات الإسلامية المتفرعة من الأخوان المسلمين لتضع القضية الفلسطينية بين حاجزي "الإسلام السياسي" و"الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من دون أن تنفتح مساحة مدنية لتحرك مغاير تقوده السلطة الفلسطينية التي ضربتها إسرائيل أيضا. في هذه اللحظة من الاصطفاف الأميركي الغربي خلف إسرائيل المتطرفة دينيا، بدأت النخبة الأميركية تستفيق من صدمة " الطوفان" لتواجه التحديات التالية في الشرق الأوسط: حقيقة، تواجه أمريكا تحديات استراتيجية عاجلة في العالم من دون أن يكون لها ترف التعثر في العمل الحيوي لحماية مصالحها في الشرق الأوسط، لأسباب ليس أقلها موارد المنطقة. تكمن المشكلة هنا، في أنّ النخبة الأميركية بعد حرب غزة تعتقد أنّ السلام الذي يريده التحالف الأميركي الإسرائيلي لا يمكن أن يقوم الا على الردع أو القوة تزامنا مع انفتاح على الإسلام الذي تمثله المملكة العربية السعودية، لذلك صبّت إدارة بايدن على تحقيق سلام سعودي إسرائيلي ، ولم تجد هذه الإدارة، ولو متأخرة، الا إعادة الحرارة الى قنوات التواصل بين الديبلوماسيتين الإسرائيلية والفلسطينية. في موازة ذلك، تتمثل خطورة هذه المرحلة بالنظرة الأميركية الغربية مع إسرائيل الى أنّ حماس ليست حزبا سياسيا بل هي منظمة جهادية سيطرت على غزة بوسائل غير ديمقراطية ، اذا حماس منظمة " إرهابية". هكذا استنتجت قيادات " نادي الدول" الكبرى فوضعت حماس في خانة داعش الذي لم يتم اقتلاعه من العراق وسوريا الا بتحالف دولي. ولعل التطور الخطير الذي يرافق " شيطنة حماس" هو الانتقال الغربي هذه المرة في اتجاه ايران وأذرعتها في المنطقة، في لبنان أولا، وفي سوريا والعراق واليمن وحتى في مربعات خليجية وآسيوية. السؤال المطروح الآن: هل ستواجه ايران أم أنّها ستلتزم الهدوء لتمرّ العاصفة، خصوصا أنّ طهران نجحت في المدة الأخيرة في استعمال ثنائية العصا والجزرة مع المارد الأميركي. في هذا السؤال بالذات وهو استراتيجي بامتياز يترقّب لبنان مصيره بين المواجهة على طريقة الذراع العسكري لحماس أو التحرك المحدود، وعلى اللبنانيين المسلوبي الارادة أن ينتظروا ماذا سيفعله حزب الله بعد زيارة وزير الخارجية الإيرانية الى بيروت خصوصا أنّه سيدرك في جولته الخليجية أنّ التوجهات الأميركية الجديدة لن تسمح باستمرار حماس وما يشبهها في المنطقة. دخلت الولايات المتحدة الاميركية في معركة طويلة ومعها يدخل لبنان تحديدا في النفق المظلم، وفي كل هذه الموجات من النار، ينتظر الجميع من بيروت الى واشنطن مرورا بتل أبيب القرار الايراني واتجاهاته الأخيرة والحاسمة : الى الحرب أو العبور الى سلام المصالح؟
يجد لبنان نفسه تحت سقف استراتيجية "التدمير المرحلي" مع تقليص المناطق الآمنة إلى فرض الشروط بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.