تستمر عملية " طوفان الأقصى" في التفاعل في اسرائيل وفلسطين والاقليم ككل لما لها من تداعيات مفصلية.
الأحد ٠٨ أكتوبر ٢٠٢٣
المحرر السياسي- في حين تواصل إسرائيل غاراتها على قطاع غزة حاصدة أكثر من ثلاثمئة قتيل ومئات الجرحى، يلف التعتيم معارك الفلسطينيين في المستوطنات المحاذية للقطاع. في التداعيات السياسية الأولى: حكومة نتنياهو المتطرفة في حال فشل، والأهم أنّه بعد التشققات الإسرائيلية في مقاربة القضاء بدأت بوادر انشقاقات في مقاربة الجيش بعد فشل منظومته الدفاعية. أُصيبت المبادرة الأميركية في تطبيع العلاقات الإسرائيلية السعودية بشظايا مباشرة نتيجة الأداء العسكري لحركة حماس المدعومة من ايران. وإذا كانت المحادثات الإسرائيلية السعودية تتم ثنائيا بواسطة أميركية فإنّ السعودية ستمتلك قواعد متينة لطرحها حلّ الدولتين للقضية الفلسطينية ، وبالتالي سيحتل طيف حماس المُستبعدة عن هذه المحادثات، المدى الواسع في أيّ نقاش اسرائيلي سعودي مستقبلي، بشكل لم تعد المملكة قادرة على تخطي قوة حماس والفصائل المتحالفة معها، وحصرها العلاقة مع السلطة الفلسطينية المنهارة القوى. فهل سترضخ المملكة لقاعدة التحاور مع الأقوى فلسطينيا، أي حماس، بدل حصر الحوار مع السلطة الفلسطينية ؟ سيدخل عاملان اضافيان على خط المحادثات بين الرياض وتل أبيب، يتمثّل العامل الأول في "الهشاشة الإسرائيلية"، فمن لم يستطع حماية الأراضي التي يحتلها لا يستطيع حماية غيره، لذلك فقدت إسرائيل أوراق قوة تضمن لها صفة " حماية" الخليج من الخطر الايراني. ويتمثّل العامل الثاني في التطورات الإقليمية الحاصلة بعد اتفاق بكين، فلا تقدر المملكة أن تتخطى هذا الاتفاق مع ايران التي أعطتها عملية " طوفان الأقصى" المزيد من الحضور على الجبهة الإسرائيلية. وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية أدركت أن لا سلام لإسرائيل من دون مدّ الخطوط مع حزب الله الذي يدير هندسته آموس هوكستين من خلال الرئيس نبيه بري، فإنّ رسالة " طوفان الأقصى" وصلت الى واشنطن أن لا حل في الاقليم من دون حماس، ولا أمن في كل المنطقة طالما أنّ الفلسطينيين خارج المعادلات. ستفرز عملية " طوفان الأقصى" معادلات جديدة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، لا يمكن تحديدها الآن في ظل ردود الفعل الإسرائيلية الأمنية الطابع، ويكمن المعطى الثابت في أنّ أيّ حرب تنتهي اجمالا بالتفاوض. وربما من أسباب اندفاعة حماس الى الحرب المفتوحة هو شعورها بالتهميش مع تقدم جهود توسيع تطبيع العلاقات الإسرائيلية العربية، فبعد عملية حماس،ظهر ميزان قوى جديد قوامه، أنّ الاستقرار في الإقليم لا يتحقق من خلال " الأمن الإسرائيلي" فقط بل من خلال أمن الفلسطينيين كأساس . نجحت حركة حماس في توقيت مفاجأة " طوفان الأقصى" ويتضح أنّ هذا التوقيت يندرج في حساباتها الخاصة أكثر من حسابات حزب الله في وحدة الجبهات. فلو كانت الحسابات متطابقة جدا، لتعرضت إسرائيل لانتكاسة جوهرية في هجوم مزدوج من جنوب لبنان وقطاع غزة باعتبار أنّ النظام السوري له حسابات أخرى بشأن جبهة الجولان. فاجأت حماس وحدها الجميع، بهجومها من البر والبحر والجو، وأثبتت أنّ الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية "فشلت في التنبه لهذه المعركة" التي لإيران فيها أياد عدة من دون أن يعني ذلك أنّها قررت تنفيذ العملية في هذا الوقت بالذات. في أبرز تعليق أميركي على هجوم السبت ، ما قاله دينس روس، المفاوض السابق في الشرق الأوسط والذي يعمل الآن في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: "الأمر كله يتعلق بمنع انفراجة أمريكية سعودية إسرائيلية". وفي المحصلة ، أنّ الشارع السني، خصوصا في دول الطوق، جذبته بالتأكيد عملية " طوفان الأقصى" ، فكما صعد نجم حزب الله بعد تحرير العام ٢٠٠٠، فإن نجم حماس سيعلو في الوجدان الإسلامي بشكل لن تستطيع السعودية تخطيه، أو إهماله في ما تبقى من مسار التفاوض على التطبيع مع إسرائيل.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.