تنشط الديبلوماسيات العربية والغربية في الفاتيكان ومارسيليا ونيويورك في مقاربة الملف اللبناني من زاوية الاستقرار.
الثلاثاء ١٩ سبتمبر ٢٠٢٣
المحرر السياسي- لم تعد المبادرة الفرنسية موضع ثقة لدى أطراف لبنانية وعربية عدة بعدما أضاع الموفد الفرنسي جان ايف لودريان مبادرته بين التمنيات المتناقضة للخماسية الدولية خصوصا الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا، في إرساء حل في لبنان متكامل من خلال انتخابات رئاسية تأتي في سياق خطوات تبدأ بالانتخاب وتنتهي بالإصلاحات مرورا بتشكيلة الحكومة من دون إسقاط " الوضع الأمني" أولا على الحدود الجنوبية وانتهاء بالحدود البرية والجوية والبحرية السائبة للتهريب على أنواعه مرورا بالانهيار المصرفي الذي حوّل لبنان الى مربّع ذهبي لتبييض الأموال. كانت الإشارة الأولى التي لم تُفهم في وقتها تأجيل زيارة البابا فرنسيس الى لبنان ليس ربطا بغياب رئيس في بعبدا بل تمدّدا الى أنّ الحلّ اللبناني ملفّ متكامل، لا يُقسّم، وحين تكتمل صياغته، يبادر البابا الى التحرك باتجاه بيروت. في هذا الوقت، تتحرك الديبلوماسية الفاتيكانية الصامتة، في مقاربة تتناغم مع تحركات أوروبية عدة. ترى أنّ الملف المسيحي في لبنان جزء من ملف المسيحيين في المنطقة، وهذا ما تحاول قيادات مسيحية فاعلة تغيير قواعده، بتذكير قيادات أوروبية وحتى فاتيكانية ، أنّ ملف المسيحيين اللبنانيين منفصل ومستقل تاريخيا. هذا التناغم الفاتيكاني الأوروبي يتوضح في مقاربات متشابهة لقضية النازحين السوريين، ففي المعلومات أنّ المساعدات الفاتيكانية التقليدية للبنان، عبر مؤسسات كنسية، تعطي أهمية للنازحين تعادل أهمية المسيحيين واللبنانيين عموما الرازحين تحت أثقال العوز. من هذه الزاوية المتشابكة، بين المحلي والإقليمي، يجتمع ممثلون عن الدول الخمس في عاصمة الكثلكة لبحث وسائل الإنقاذ، في وقت يجتمع ممثلون آخرون لهذه الدول في نيويورك في محاولة جديدة لرص الصفوف للضغط الفاعل على القيادات اللبنانية باتجاهين: انتخابات رئاسية، واصلاحات. في هذه المشهدية، تبدو الولايات المتحدة الأميركية تتصرّف في لبنان تحت سقف واحد يرتكز على جدران الأمن والاستقرار، في وقت تتخبّط فرنسا في مبادرتها،فماذا عن السعودية وايران. تدفع المملكة ثمن انسحابها من لبنان بعد فشلها في إدارة الملف اللبناني عبر حلفائها الذين عجزوا عن الدفاع عن مصالحها حتى أنّ الحليف الأبرز سعد الحريري وعدد من المحيطين به انحازوا الى حزب الله في تسويات أثبتت أنّ الرابح الأكبر فيها هو الحزب ومن خلاله ايران. ايران بدورها، تتحرّك من مركز قوة مثالية في لبنان، فهي تملك العصا والجزرة، ولا تخطو خطوة الا بعد دراسة مفاعيلها على الأوراق الكثيرة التي جمعتها منذ الثمانينات على الطاولة اللبنانية. أما حزب الله الذي يخسر أقل من غيره في الوقت الضائع، يعزّز كيانه ميدانيا من دون أيّ رادع بعدما امتلك مفاتيح السلطة، وتحكّم بالسيولة النقدية مع شركاء له مستفيدين، والأهم، يقدر، ساعة يشاء أن يقلب الطاولة ليشكّل تسويات تشبه تسويات سابقة جرت في الدوحة وصبّت لمصلحته، في السلطة التنفيذية، وفي سنّ قانون انتخابي، يضمن له ولشريكه الرئيس نبيه بري جبروت امتلاك الورقة الميثاقية التي تعني في النظام الطائفي اللبناني حق النقض. ولا يستعجل حزب الله وراعيه الإقليمي في الانتخاب الرئاسي ،طالما أنّه يملك استقلالا نقديا وأمنيا وسلطويا، لكنّه يترقب الانفتاح السعودي الإسرائيلي من خلال الوسيط الأميركي، ويعي جيدا ماذا تعنيه الديبلوماسية السعودية حين تقول إنّ حلّ الصراع العربي الإسرائيلي لن يتم الا بحل الدولتين الإسرائيلية الفلسطينية. ويراقب الحزب وراعيه الاتصالات المفتوحة بين السعودية والسلطة الفلسطينية التي تُبقى خطوطها مفتوحة مع تل أبيب لبلورة تسوية جديدة لا تزال مناقشاتها في البدايات، لذلك تقفز المخيمات الفلسطينية الى الواجهة كمطرقة ضغط على المتحاورين الاقليميين البعيدين عن ايران وحلفائها. من هذه البوابة تعود السعودية قوية الى الإقليم بعدما حسمت خياراتها في اليمن، وأمنت التوازنات في تنفيذ الخطط الدولية من خلال موقعها الإسلامي والنفطي والجغرافي، وفي هذا الاتجاه، تخطو ايران خطوات متقدمة تجاه واشنطن والرياض ، مدركة أنّ لبنان، في كل ما يحصل من هندسات في الإقليم، يبقى الورقة الأقوى في يدها. لذلك يتخمّر لبنان في الثلاجة بانتظار الحلول الكبرى، أو التسويات التي من شروطها عدم المس بسلاح حزب الله وكياناته التي استثمر فيها الايرانيون كثيرا، وتحديد ضوابط "للشطارة" اللبنانية في ادارة " الممنوعات".
قليلٌ يعرف أنّ الشاعر الفنزويلّي الكبير لويس غارسيا مورالس من لبنان.
مع تصاعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، يعود لبنان إلى قلب الصراعات الإقليمية، في مشهد يعيد إنتاج تاريخه كجبهة مفتوحة لحروب الآخرين، لكن بكلفة إنسانية كبيرة.
يجد لبنان نفسه تحت سقف استراتيجية "التدمير المرحلي" مع تقليص المناطق الآمنة إلى فرض الشروط بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.