انتهت جلسة الانتخاب الرئاسي الفاشلة في تحقيق غايتها وفتحت الصفحات لتحاليل رموزها الظاهرة والخفيّة.
الخميس ١٥ يونيو ٢٠٢٣
أنطوان سلامه- يمكن القول إنّ الثنائي حزب الله وحركة أمل ومرشحه سليمان فرنجية خرقوا الجبهة المنافسة بخمسة أصوات ما يشجعهم مستقبلا على اعتماد تكتيك " القضم" في معركتهم التي ستطول إذا كانوا سيعملون على استمالة عدد وافر من "٢٨ نائبا" خرجوا من الاصطفاف. في المقابل، وبلغة الحسابات، أفرز صندوق الاقتراع النيابي نتيجة تقدم المرشح جهاد أزعور، بحصاد وافر، في حين أنّ مسار الجلسة عكست الآتي: -مزيد من التجاوزات الدستورية، شكلا ومضمونا، يقترفها الرئيس نبيه بري، ما يجعل مجلس النواب، في لحظات كثيرة، خارج الأصول، وهذا ما يُفقد المجلس التشريعي أبرز صفاته في المراقبة والمحاسبة، أيّ في الأداء الشفاف والمسؤول والثقة في سنّ القوانين القويمة. -بعكس الخطاب الذي ينادي به الثنائي في الطائفة الشيعية فإنّ انسحاب نواب حزب الله وحركة أمل السريع يعبّر عن موقفه الحقيقي في استعمال النصاب والميثاقية في طرح وطني يغلّف أداء مذهبيّا ومصلحيّا. -في المعادلات الطائفية، لم يحصل جهاد أزعور على أيّ صوت شيعي في حين فقد سليمان فرنجية الميثاقية الدرزية التي لم تصوّت له بأي ورقة. - كما غرّد رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، أنّ جلسة الانتخاب أثبتت أنّه لا يمكن تخطي "المكوّن المسيحي في رئاسة الجمهورية" رافضا "العناد الذي سيقابله عناد آخر"، وقد ثبت أنّ توافق التيار والقوات اللبنانية وحزب الكتائب صمد وتوحي الإشارات الى أنه سيصمد طالما أنّ فرنجية هو مرشح الثنائي. - في مسار المعركة، يتضح، أنّ التيار نجح فيها، فجعل من نفسه بيضة القبّان، والقوة التي ترجّح، وعكس الصورة التي ظُهرت في المدة الأخيرة أنّ خروجه من تفاهم مارمخايل سيجعله الخاسر الأبرز في حين أنّ " انفصاله" في المعركة الرئاسية أضعف حزب الله، وهذه حقيقة يجب قراءتها جيدا. ومهما قيل في التقاء الأضداد بين الزعامات جبران باسيل وسمير جعجع وسامي الجميل، فإنّ كل زعيم حقق مكاسب في التقارب المرحلي في انتخابات الرئيس، فجبران باسيل كسر الطوق الذي حاول حزب الله فرضه عليه بعزله و"تخوينه"، وربح جعجع في إبعاد باسيل عن حارة حريك، وبانضمام الجميل الى الثنائي الماروني جعل دوره أكبر من كتلته النيابية في هذه المعركة. من مفارقات هذه الجلسة، أنّ الكتل النيابية كافة، خصوصا الكبيرة منها، خسرت المبادرة وشرّعت الأبواب للتدخل الخارجي، ما يوحي مزيدا من التفكك ليس فقط في بنية الدولة اللبنانية، بل فقدان القيادات التي تقود المعركة الرئاسية " أخلاقية وطنية" طالما أنّ التوافق المحلي ممكن اذا وُجدت الإرادة التي ستسحقها المصالح الدولية حين تستقر في الساحة السياسية بأدوار مختلفة منها دور الوسيط أو المؤسّس لمرحلة جديدة. وفي هذه المرحلة المتوقعة، ستجد الطوائف نفسها في صراع مستميت ليس فقط في تحقيق الأرباح بل في الحدّ من الخسائر، فأيّ "مؤتمر تأسيسي" سيدفع ثمنه المسيحيون كما هو راجح، لكنّ سلاح حزب الله وحركة أمل سيوضع على الطاولة، وقد جاءت الإشارة الأولى في ذلك، لمن يريد أن يقرأ ويفكك ألغاز اللغة الديبلوماسية، على لسان وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اللورد طارق أحمد الذي عبّر قبل الأميركيين عن خيبته من تطيير النصاب، وطرح معادلة رباعية لخلاص لبنان وهي : رئيس لتوحيد البلاد، وتقديم رؤية للإصلاح، ومحاربة الفساد، والدفاع عن سيادة القانون"، وفي كل هذه الإصلاحات ستدفع رؤوس الأخطبوط الطائفي والمذهبي الثمن؟ وهذا ما يعيه هؤلاء لذلك سيُلاقون المبادرة الفرنسية بالدخول فيها من بوابة " التسوية" في سلّة متكاملة أي المحاصصة التي هي نقطة قوتهم وديمومتهم.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.