طغى أمر اقتحام حماس الجبهة الجنوبية على الحدث اللبناني الأبرز المتمثل بالفراغ الرئاسي.
الأربعاء ١٢ أبريل ٢٠٢٣
المحرر السياسي- ذكّرت المواجهة الصاروخية بين حزب الله وإسرائيل عبر حماس بالتقاصف في " الأرض المفتوحة"(مناطق حرجية) بين الحزب وإسرائيل في صيف العام ٢٠٢١. هذا التقاصف دفع أهالي شويا الى "الاعتراض" بإقدامهم على تطويق " المقاومين" لدى عودتهم من قصف " مواقع العدو الاسرائيلي في مزارع شبعا" بحسب بيان المقاومة الإسلامية التي أكدت في بيانها الحرص على "أهلها وعدم تعريضهم لأي أذى خلال عملها المقاوم". كمين شويا كان الأول من نوعه في تاريخ عمل حزب الله كمقاومة إسلامية في الجنوب، ودفع الحزب الى التعاطي مع المعترضين من الأهالي في قضاء حاصبيا بشكل مرن، وكأنّ الحزب أدرك أنّ التقاصف مع إسرائيل في "الأراضي الحرجية" لم يُقنع اللبنانيين. واعتبر محللون عسكريون في ذاك الصيف أنّ حادثة شويا تخطت اعتراض الأهالي الى ما هو أبعد، وهو أنّ الحزب سجّل على نفسه أول خطأ تقني في التخطيط لعملية عسكرية في مواجهة العدو، وهذا الخطأ تمدّد لاحقا في حادثتين كبيرتين حصلتا في منطقة خلدة وفي أزقة الطيونة عين الرمانة. في هذه الحوادث انخرط الحزب مباشرة في المواجهات في الداخل اللبناني وبات يميل أكثر في مواجهاته، إن مع القوات الدولية العاملة في الجنوب أو ضدّ إسرائيل، الى " النأي بالنفس" تارة تحت راية "الأهالي" وطورا تحت مظلة المنظمات الفلسطينية، حتى أنّ إسرائيل حيّدت في بيانها العسكري الحزب واتهمت حركة حماس بإطلاق الصواريخ. وإذا كان الحزب يعتمد " التمويه" في "إدارة المعركة ضدّ العدو" فإنّ هذا التكتيك يدل الى أنّ الحزب بات يفتقر الى حرية الحركة ميدانيا بفعل القرار ١٧٠١ وبفعل تقلص المظلة اللبنانية له، ولا ينفع تجييش "الأقلام والأصوات" اللبنانية المعروفة الانتماء للتركيز على نجاح الحزب وبراعته في "إدارة المعركة" انطلاقا من الجنوب. فمن رصد ردود فعل الجنوبيين بعد "صواريخ حماس" لمس بشكل واضح رفض الجنوبيين العودة الى مرحلة " فتح لاند"، بالتأكيد، لا يمكن التعميم، لكن الوجدان الجنوبي، واللبناني عموما، يرتاح الى استقرار الجبهة التي أفرزت نهضة عمرانية واضحة المعالم في الجنوب، ويعود جزء من هذه النهضة الى نجاح الحزب في تحرير "الأرض" والى نجاح اللبنانيين في تثبيت " العداوة" لاسرائيل. فدفعُ الحزب " الجنوب" الى المواجهة لا يُمكن أن يُرتجل في ظل معطيات عدة منها إنجاز التحرير، والانهيار الاقتصادي الذي يؤدي فيه الحزب دورا محوريا أقلّه منذ العام ٢٠٠٥،إضافة الى دعوات "حياد لبنان" وتضعضع جبهة " الممانعة" في لبنان. وفي تعداد الربح والخسارة في عملية اطلاق الصواريخ، تبدو حركة حماس أو أي منظمة جهادية فلسطينية هي الرابح الأكبر، بعودتها الى الجنوب كجبهة عربية وحيدة مفتوحة الى جانب الجبهة الغزاوية، في حين أنّ الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية أوسع من أن يحتويها " الإسلام السياسي الفلسطيني" بشقيه السياسي والعسكري. فهل أخطأ الحزب في إعادة " الساعة الجنوبية" الى ما قبل العام ١٩٨٢؟ بالمنظار الأيديولوجي للحزب ما يقوم به هو في صلب عقيدته، ولا يمكن لأي معارض له أو موال أن يقنعه في خطواته الأيديولوجية الطابع، لكنّ الحزب الذي تراكمت أخطاؤه منذ العام ٢٠٠٥ لم يعد منزها عن الشطط، وبالتالي، فإنّ تلطيه خلف "الحركات الجهادية الفلسطينية" ، في مواجهة إسرائيل ولو بدعم إيراني، لن يمرّ من دون اعتراض شبيه باعتراض أهل شويا أو أكثر...علما أنّ التهديد الإسرائيلي بعدم السماح لحماس ببناء نفسها في لبنان ذكّر اللبنانيين بالغارات الإسرائيلية المتكررة على سوريا والتي تواجه فقط بالبيانات الرسمية في دمشق وبمواقف " الصراخ" في جبهات الممانعة. فهل لا تزال اللغة الخشبية صالحة لإقناع الرأي العام على طريقة العنوان الصحافي:"عملاء سابقون مسؤولون عن نصب الكمين لشاحنة صواريخ المقاومة في شويا"
قليلٌ يعرف أنّ الشاعر الفنزويلّي الكبير لويس غارسيا مورالس من لبنان.
مع تصاعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، يعود لبنان إلى قلب الصراعات الإقليمية، في مشهد يعيد إنتاج تاريخه كجبهة مفتوحة لحروب الآخرين، لكن بكلفة إنسانية كبيرة.
يجد لبنان نفسه تحت سقف استراتيجية "التدمير المرحلي" مع تقليص المناطق الآمنة إلى فرض الشروط بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.