جوزف أبي ضاهر-أخذ رغيفًا، قبّله بلهفة المتيّم. مرّر أصابعه على خده، على أطرافه، على ظهره.
الأحد ٠٣ يناير ٢٠٢١
صرخة
جوزف أبي ضاهر-أخذ رغيفًا، قبّله بلهفة المتيّم. مرّر أصابعه على خده، على أطرافه، على ظهره.
تأمله... تأمله جيدًا، أحسّ بدمعة نزلت من عينه اليمنى. عينه اليسرى منعت دمعها من الخروج. احتفظت به لأيام آتية. لأيام لن تأتي في زمن الخبز.
حين اكتمل شوقه، واكتملت عواطفه... ولهفته نحو الرغيف، حمله بين كفّيه كمثل وليد لحظة الصرخة الأولى.
على مهل حمله، برويّة حمله. خاف تخونه قدرته على المشي به... ولو كمثل دبيب نملة راجعة من بيدرٍ، تحمل حبّة قمح مؤونةً لزمن «أهوج» لا يراعي حرمة جائع.
حمل الرغيف إلى صدر بيته، «صَمَده»، أسكت اضطراب قلبه.
«صَمَده» كما يفعل الكاهن في «صَمدة القربان». أليس القربان خبز الروح والرغيف خبز الجسد؟
الجسد من دون روح ترفضه الحياة، والروح من دون جسد تظل معلّقة في الهواء، هائمة لا تتحقق غايتها مع جسد يحيى بها، ليس من أجل الرغيف، بل من أجل حياة موفورة الكرامة.
تراجع خطوات إلى الوراء... نظر إلى الرغيف المتكئ على شبه يدين، تأمله، ارتبك:
من فتح له اليدين ليستريح فوقهما؟
لم يسمع جوابًا. «نكزه» الخوف بسبابته لسبب ليس بمجهول.
انتظر. سمع كلامًا جاءه من أعماقه. نبهه:
لا تفرط في النظر إلى الرغيف. النظر يأكل الزغب منه. يجفف ماءً في عروقه التي لا تظهر لعين... قد ييبس.
اضطرب ثانية. كاد يصرخ، يستغيث سائلاً: ماذا يُسمح لي أن أفعل؟
لم يأته الجواب... وكان يعرفه. ذاق طعمه قبل طعم الرغيف... وبرغم ذلك أصرّ على موقفه، متشبثًا بالباقي من قدرته في إسكات جوعه، والاحتفاظ بالرغيف وحراسته من لصوص، من قطّاع طرق وأرزاق وأعناق.
عندهم ما يكفي ذريتهم الموفورة الانعامات المدنيّة والدينيّة، ولديهم الخزائن المحكمة الاقفال على ما لا تأكله النيران، وهو للرغبات، وبها أعلم... فتدوم وتدوم وتدوم حتّى ينقضي دهرها، فلا تعود الملائكة مهتمة بترتيب أجنحتها البيضاء قبل ذهابها إلى مآتم الذين حرموا من رغيف عجنوه وخبزوه على نار تعبهم وقهرهم، فسُرق من أمام أعينهم ليرمى لكلاب تركض وراء سارقي الهناءة من نعمة يبست، قبل أن تيبس شفاه من كان سبب وجودها وحُرم حتّى الشهوة إليها، حتّى صار صورة للذين غادروا قبل أن يُعلن موعد وفاتهم.
josephabidaher1@hotmail.com
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.