جوزف أبي ضاهر-حبيبنا الرغيف...قبل أن نخسرك، وينتهي حضورك، ولو متواضعًا، في بيتنا، إسمح لي بكلمة...
الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٠
صرخة
جوزف أبي ضاهر-حبيبنا الرغيف...قبل أن نخسرك، وينتهي حضورك، ولو متواضعًا، في بيتنا، إسمح لي بكلمة...
بمديح تستحقه، لأن سلطتك خارج نطاق جميع السلطات.
أمس، عَبرتُ من بيروت إلى بيروت.
رأيته: طاعنًا في العمر، يخرج من بيته... شبه بيته.
إلى أين؟ خذني معك.
* لا تستطيع أن تذهب معي! لا تستطيع أن تخرج من ذاتك. إلى أين تريد أن تذهب؟
خرجت أبحثُ عن كسرةِ خبزٍ سقطت من فم عصفورٍ دوريٍّ، كان يسكن في «طاقة بيتي»...
كان عندي بيت، كان عندي امرأة وأولاد... وكان الدوري يشاركنا: خبزنا وفقرنا وفرحنا.
* ... وما النفع من «كسرةِ» خبزٍ؟
سأصنع بها عيدًا لعائلةٍ، ولو ما عادت موجودة في هذا البيت.
أشار بإصبعه: والبيت ما عاد موجودًا... ذهب بأكمله مع ولدي ليطفئ النار، ليقتل الموت... وما رجع.
تمتم كلامًا لم أفهمه، كان آخره:
«البيوت تهاجر، حين يتركها أصحابها».
تغيّر «حلم» الرغيف مع الفقراء...
صاروا يأكلونه، مستقلاًّ بذاته عن أي دسم، وبالأقل مما يخدع اللسان: أحلاوةً يمضغ أم ملحًا!
... وإذا حقق الرغيف وجوده في عيالٍ تغريه بالصعتر والزيت... وربّما بالملح والزيت، ليُدخِلَ إليها شبعًا لم تلوّثه كفُّ بائع الطحين، ومن غشَّ في إعداده وشارك النار في لفحه بما يحرق الأرض والبيوت والناس.
رغيف الفقراء؟
مائدتهم، شبعهم من عملٍ لم تقربه شبهات. تقاسموه وعيالهم بشهيّة قد تصدم شهية أكلة الحقوق في كلّ شيء، بدءًا من: التراب... فالحجر والبشر، الحديد، النفط، السمسرات... والسلطات التي تمنح الحقَّ لذاتها في فعل ما يحلو لها.
... فعلت ومنحت!
مشيت... رأيت نارًا ورمادًا. لم أرَ عصفورًا كان سيكون أكرم منّا جميعًا، يرسم بمنقاده صورة: بيتٍ، وطاولةٍ وعيلةٍ تجتمع، وتصلّي... قبل أن تقتسم رغيفًا مغمسًا بالقهر والذل والموت.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.